تعود السفن وأنت لا تعود (البحر قتيل ينزف الماء من جنبيه) والبحر كانت أعماقه المظلمة تطرد عفونة الأجساد النتنة وغيمة واطئة تمر بالقلب – الآن قرب سطح البحر – وتصبح أقرب من رجفة القلب، والنوارس عالقة بين السماء وبين سطح البحر لا يقر لها قرار تدفع الثمن المعلوم، وها هى السفن تعود وأنت لا تعود، ويكون الموت – فى كتاب السفر – ماء تغسل فيه الأجساد (عند رسو المراكب فى الموانى الغريبة) للطهارة، فتعود كما كانت قبل النجاسة، وكما كانت تعود: رماد الحياة، وتكون الحياة ماء والموت ماء؛ وتصبح أنت الحى وأنت الميت؛ فقل: لو كان البحر مدادا لنفد البحر؛ لو كان البحر مدادا قبل أن تنفد تلك الكلمات. ***ما حدث فى البحر كما جاء فى الحكاية التى حكاها مطر أفندى: بعينه – البلورية – اليمنى غمز ملك البحر القادر للشمس فاختفت خلف سواد السحاب، وبعينه – العوراء – اليسرى غمز للأمواج فانفلتت من محبسها البعيد وراحت تضرب سفن سليمان الحكيم، فلا الناضورجية رأوا الصخور التى ترتطم بها سفنهم فى كل مكان ولا ملاحو الدفة استطاعوا التحكم فى دفاتهم، فامتلأت أخنان المراكب بالماء فغرق منهم من غرق، حتى إذا صارت الشمس إلى الحوت فى الاستواء الربيعى أرسى الحكيم بسفنه وجنده وأسراه إلى جزيرة خالية من كل إنس وجن، لكنها كانت مليئة بطيور النورس، وكانت النوارس لا تعد ولا تحصى وقد عششت على خرائب المساكن وعلى قمم الأشجار: تحجب الشمس عن الجزيرة عندما تطير وتصم الآذان عندما تقعقع، استدعى سليمان النبى كاتبَه آصف – الذى أحضر له عرشَ بلقيس- وكذلك استدعى أهل الخبرة والعلم وأولئك الذين يكشفون الغيبَ ويتعاملون بالنجوم وسألهم عن النوارس فلم يجبه أحد وكان الهدهدُ– ذلك اللئيم– يبتسم فى سخرية، فلمحه سليمان فزعق فيه : - لماذا تضحك أيها اللئيم؟رفرفت السخرية– من الحكيمِ– داخل قلب الهدهد وقال:- يا نبى الله علمت أن بنت صيدون بين أسراك يا مولاي، وهى تعرف سر النوارس. قال سليمان: - ويل لك إذا كنت تمزح مثل مزحتك السخيفة يوم دعوتنى وعساكرى للعشاء، وصدت أنت جرادة رميتها فى البحر، أتذكر ما قلته يومئذ أيها اللعين؟ ردد ما قلته أيها النتن. قال الهدهدُ: - قلت يا مولاى: كلوا، يا نبى الله من فاته اللحم نال من المرق، أنالا أهزأ هذه المرة، ابنة صيدون تعرف سر النوارس وأدام الله سلطانك يا مولاى، ها هى جزيرة النعيم تحت قدميك فيها أشجار باسقات وجنات وكروم تجرى من تحتها الأنهار.قال الحكيم: - إذن هيّا أيها الرسول وآتنى بابنة الساحر صيدون لنسمع حكايتها. ما حدث يومها على الشاطئ: وللبحر قبل طلوع الشمس رائحة، ومحاسن تحمل بين القميص وبين لحم الجسد حجابا:تعويذة الغجرية حتى يعود الغائب، آه، وما بين لحم الجسد والثوب - مملكة الأنوثة والخطر– ثديان يكمن الحجاب بينهما (العينان بئرا حزن ليلية، والرموش حبال للغرقى). وفى القلب كانت تنغرسُ سكين الخديعة. لملمت محاسن شعرها المتطاير وأحكمت العصابة السوداء على رأسها ورفعت الثوب الأسود حتى ركبتيها وسوّت لها مكانا فوق رمال الشاطئ واجتاحها إحساس بالنشوة عندما لامس الرمل فخذيها، فاستسلمت لتلك النشوة الباردة وشخصت بعينيها تجاه الشرق – خلف مرسى الصيادين – منتظرة شروق الشمس . من البعيد ومن بين بخار الماء والضباب جاءتها صورته: الأب الذى زوّجها لزوجها الغائب أتراه قتل؟ أم تراه هناك ؟ هناك خلف ذلك البحر الوسيع، مات الأب بعد أن أنجبت من الصياد- الذى يقول عنه الجميع أنه غرق فى البحر– ولدين ( السحاب– المفتون بالرحيل– يسرع من الغرب إلى الشرق ويغدو الفضاء أرضا واسعة المدى ). مدت محاسن إصبعها السبابة وأخذت تعبث بالرمل، داهمها وجه الغجرية: - وشوشى الودع يا صبية . وتتناول الودع :– أنا يا ودع وحيدة، وحيدة يا ودع وقد مات الأب ورحل – قتل أو غاب – الزوج والولد الأكبر قتل فى الحرب بيننا وبينهم ولم ينته عدونا من فوق ظهر الأرض، فها هو الولد الثانى ينام– فى الخندق– على الحدود، فأعده لى يا ودع ودلنى أين الزوج، وهل يعود؟
تعليقات مضافه من الاشخاص
اشترك في قائمة الاصدارات لمعرفة احدث الكتب والعروض
تاكيد الدفع بالبطاقة الائتمانية
برجاء الضغط علي موافق ليقوم الموقع بتحويلك لبوابة الدفع الالكتروني
تعود السفن وأنت لا تعود (البحر قتيل ينزف الماء من جنبيه) والبحر كانت أعماقه المظلمة تطرد عفونة الأجساد النتنة وغيمة واطئة تمر بالقلب – الآن قرب سطح البحر – وتصبح أقرب من رجفة القلب، والنوارس عالقة بين السماء وبين سطح البحر لا يقر لها قرار تدفع الثمن المعلوم، وها هى السفن تعود وأنت لا تعود، ويكون الموت – فى كتاب السفر – ماء تغسل فيه الأجساد (عند رسو المراكب فى الموانى الغريبة) للطهارة، فتعود كما كانت قبل النجاسة، وكما كانت تعود: رماد الحياة، وتكون الحياة ماء والموت ماء؛ وتصبح أنت الحى وأنت الميت؛ فقل: لو كان البحر مدادا لنفد البحر؛ لو كان البحر مدادا قبل أن تنفد تلك الكلمات. ***ما حدث فى البحر كما جاء فى الحكاية التى حكاها مطر أفندى: بعينه – البلورية – اليمنى غمز ملك البحر القادر للشمس فاختفت خلف سواد السحاب، وبعينه – العوراء – اليسرى غمز للأمواج فانفلتت من محبسها البعيد وراحت تضرب سفن سليمان الحكيم، فلا الناضورجية رأوا الصخور التى ترتطم بها سفنهم فى كل مكان ولا ملاحو الدفة استطاعوا التحكم فى دفاتهم، فامتلأت أخنان المراكب بالماء فغرق منهم من غرق، حتى إذا صارت الشمس إلى الحوت فى الاستواء الربيعى أرسى الحكيم بسفنه وجنده وأسراه إلى جزيرة خالية من كل إنس وجن، لكنها كانت مليئة بطيور النورس، وكانت النوارس لا تعد ولا تحصى وقد عششت على خرائب المساكن وعلى قمم الأشجار: تحجب الشمس عن الجزيرة عندما تطير وتصم الآذان عندما تقعقع، استدعى سليمان النبى كاتبَه آصف – الذى أحضر له عرشَ بلقيس- وكذلك استدعى أهل الخبرة والعلم وأولئك الذين يكشفون الغيبَ ويتعاملون بالنجوم وسألهم عن النوارس فلم يجبه أحد وكان الهدهدُ– ذلك اللئيم– يبتسم فى سخرية، فلمحه سليمان فزعق فيه : - لماذا تضحك أيها اللئيم؟رفرفت السخرية– من الحكيمِ– داخل قلب الهدهد وقال:- يا نبى الله علمت أن بنت صيدون بين أسراك يا مولاي، وهى تعرف سر النوارس. قال سليمان: - ويل لك إذا كنت تمزح مثل مزحتك السخيفة يوم دعوتنى وعساكرى للعشاء، وصدت أنت جرادة رميتها فى البحر، أتذكر ما قلته يومئذ أيها اللعين؟ ردد ما قلته أيها النتن. قال الهدهدُ: - قلت يا مولاى: كلوا، يا نبى الله من فاته اللحم نال من المرق، أنالا أهزأ هذه المرة، ابنة صيدون تعرف سر النوارس وأدام الله سلطانك يا مولاى، ها هى جزيرة النعيم تحت قدميك فيها أشجار باسقات وجنات وكروم تجرى من تحتها الأنهار.قال الحكيم: - إذن هيّا أيها الرسول وآتنى بابنة الساحر صيدون لنسمع حكايتها. ما حدث يومها على الشاطئ: وللبحر قبل طلوع الشمس رائحة، ومحاسن تحمل بين القميص وبين لحم الجسد حجابا:تعويذة الغجرية حتى يعود الغائب، آه، وما بين لحم الجسد والثوب - مملكة الأنوثة والخطر– ثديان يكمن الحجاب بينهما (العينان بئرا حزن ليلية، والرموش حبال للغرقى). وفى القلب كانت تنغرسُ سكين الخديعة. لملمت محاسن شعرها المتطاير وأحكمت العصابة السوداء على رأسها ورفعت الثوب الأسود حتى ركبتيها وسوّت لها مكانا فوق رمال الشاطئ واجتاحها إحساس بالنشوة عندما لامس الرمل فخذيها، فاستسلمت لتلك النشوة الباردة وشخصت بعينيها تجاه الشرق – خلف مرسى الصيادين – منتظرة شروق الشمس . من البعيد ومن بين بخار الماء والضباب جاءتها صورته: الأب الذى زوّجها لزوجها الغائب أتراه قتل؟ أم تراه هناك ؟ هناك خلف ذلك البحر الوسيع، مات الأب بعد أن أنجبت من الصياد- الذى يقول عنه الجميع أنه غرق فى البحر– ولدين ( السحاب– المفتون بالرحيل– يسرع من الغرب إلى الشرق ويغدو الفضاء أرضا واسعة المدى ). مدت محاسن إصبعها السبابة وأخذت تعبث بالرمل، داهمها وجه الغجرية: - وشوشى الودع يا صبية . وتتناول الودع :– أنا يا ودع وحيدة، وحيدة يا ودع وقد مات الأب ورحل – قتل أو غاب – الزوج والولد الأكبر قتل فى الحرب بيننا وبينهم ولم ينته عدونا من فوق ظهر الأرض، فها هو الولد الثانى ينام– فى الخندق– على الحدود، فأعده لى يا ودع ودلنى أين الزوج، وهل يعود؟